عماد الدين خليل
89
دراسة في السيرة
كان اجتماع الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعشيرته الأقربين في أطراف مكة هو بداية العهد الجديد ، وقد انتهى ذلك الاجتماع الحاشد بصدّ محزن عن دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإنذاره . . ومنذ تلك اللحظة انفجر الصراع الواضح المكشوف بين المعسكرين . . المشركون الذين استخدموا كل أسلوب والتمسوا كل وسيلة لوقف حركة الإسلام إلى الأمام . . . والمسلمون الذين لم يؤمروا بالعنف - طيلة العصر المكي - لئلا يتعرضوا لعملية إبادة تحقق للوثنية ما كانت تأمله وترجوه . . وقد بدأ رجال الملأ نشاطهم المضاد في سلسلة من الاتصالات المبطنة بالوعد والوعيد مع أبي طالب ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أعقبت - جميعها - فشلا ، وأعلن النبي عن موقفه الذي لا مهادنة فيه ولا مساومة ، في كلمته الحاسمة « واللّه يا عم . . » وجدت الوثنية نفسها مسوقة إلى استخدام أساليب العنف والاضطهاد والحرب النفسية ، لوقف الخطر الجديد ، وانقضّت كل عشيرة على أبنائها وعبيدها المسلمين تعمل فيهم تعذيبا وتحطيما للمعنويات واضطهادا ، ولم ينج الرسول نفسه من هذا البلاء النازل ، وهو وأصحابه صامدون صابرون للمحنة ، تسندهم تجارب سنين طويلة من العمل والنمو العقيدي ، وتمنحهم المعنوية والثقة آيات القرآن البينات التي كانت تتنزل في قلب المحنة لكي ترفع المؤمنين إلى أفق الأمل واليقين بالنصر . . وإلى جانب هذا وذاك كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ينفخ في أصحابه روح الثبات والمقاومة ويرسم لهم بذكائه الثاقب ، وبالهدي الإلهي ، الطرائق والأساليب التي تقترب بهم يوما بعد يوم من الهدف الذي كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد وعد أصحابه ببلوغه مهما طال الطريق وعظمت المصائب . . ولم يكن التخطيط للهجرة الموقوتة إلى الحبشة ، والاتصال المستمر بالقبائل والوفود القادمة إلى مكة ، والذهاب إلى الطائف ، ولقاآت العقبة الثلاث إلا خطوات على الطريق . . وكلما ازدادت المحنة وعظم البلاء ساق اللّه إلى الدعوة رجالا كبارا لهم وزنهم في مجرى الأحداث وقدرتهم على المقاومة والتحدي والتغيير . ولم يكن إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما إلا أمثلة بيّنة على الإرادة المعجزة التي تسوق ، وفق منطقها وقضائها الذي لا رادّ له ، رجالا من قلب الجاهلية ، ومن صميم زعامتها ، إلى ساحة الحركة الجديدة ، ليسوا أتباعا عاديين ، وإنما قادة وزعماء يلعبون دورهم في إيجاد نوع من التوازن في القوى